المحكمة الدستورية العليا المصرية

 

قضية رقم 23 لسنة 16 قضائية المحكمة الدستورية العليا "دستورية"

مبادئ الحكم: اتفاقيات دولية - الحرية الشخصية - حرية الحياة الخاصة - حق اختيار الزوج - حق الزواج - دستور - سلطة المشرع - شريعة إسلامية - قانون - قضاة - مبدأ المساواة

نص الحكم

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم 18 مارس 1995 م، الموافق 17 شوال 1415 هـ

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر

رئيس المحكمة

والسادة المستشارين/ فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله

أعضاء

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي

رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد

أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 23 لسنة 16 قضائية "دستورية".

المقامة من

السيد المستشار/ ...

ضد

1- السيد/ رئيس الجمهورية بصفته

2- السيد الدكتور/ رئيس مجلس الوزراء بصفته 

3- السيد المستشار/ وزير العدل بصفته

4- السيد المستشار/ رئيس مجلس الدولة بصفته

الإجراءات

بتاريخ 25 يونيو سنة 1994 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبا الحكم بعدم دستورية البند السادس من المادة 73 من قانون مجلس الدولة بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة.

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.

وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرا برأيها.

وقد نظرت الدعوى على الوجه المبينين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

وحيث إن الوقائع - على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل في أن المدعي كان قد عين بوظيفة مندوب بمجلس الدولة اعتبارا من أول أكتوبر سنة 1972. ثم تدرج بوظائف المجلس القضائية إلى أن عين مستشارا. وإذ أصدر رئيس الجمهورية القرار رقم 60 لسنة 1987 بتعيينه في وظيفة وكيل عام بهيئة النيابة الإدارية، فقد أقام الطعن رقم 3679 لسنة 33 ق أمام المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة طالبا الحكم بإلغاء هذا القرار، وإهدار كافة الآثار القانونية المترتبة عليه، ناعيا عليه بطلانه لصدوره بناء على طلب كان قد عرض فيه النقل من مجلس الدولة إلى هيئة النيابة الإدارية، حال أن ذلك الطلب لم يكن نابعا عن إرادة حرة، بل كان وليد إكراه تفاديا لإنهاء خدمته لزواجه من أجنبية. وأثناء نظر دعواه الموضوعية، دفع المدعى بعدم دستورية البند السادس من المادة 73 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية، فقد صرحت له بإقامة دعواه الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة.

وحيث إن المادة 73 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 قد حددت الشروط التي يجب توافرها فيمن يعين عضوا بمجلس الدولة، ومن بينها الشرط المنصوص عليه في بندها السادس الذي ينص على ما يلي: "ألا يكون متزوجا من أجنبية، ومع ذلك يجوز بإذن من رئيس الجمهورية الإعفاء من هذا الشرط إذا كان متزوجا بمن تنتمي بجنسيتها إلى إحدى البلاد العربية"، وكانت المادة 6 من مواد إصدار ذلك القانون قد نصت على عدم سريان الشرط المنصوص عليه في البند 6 المشار إليه على أعضاء مجلس الدولة المتزوجين من أجنبيات عند العمل بالقانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة، فإن مؤدى هذين النصين مجتمعين أن عدم الزواج من أجنبية شرط لازم للتعيين أو البقاء عضوا في ذلك المجلس، وهو شرط لا استثناء منه إلا في إحدى حالتين أولاهما أن يقرر العضو بعد العمل بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 المشار إليه الزواج من أجنبية تنتمي بجنسيتها إلى إحدى الدول العربية، ويأذن رئيس الجمهورية في الزواج منها. وثانيتهما أن يكون زواج العضو بالأجنبية قائما وقت العمل بقانون المجلس الملغى رقم 55 لسنة 1959 المشار إليه.

وحيث إن المدعي ينعى على البند السادس المشار إليه مخالفته للدستور بما نص عليه من عدم جواز زواج عضو مجلس الدولة بأجنبية، قولا بأن هذا الحظر يناقض مبدأ تكافؤ، الفرص ويخل بالحماية القانونية المتكافئة اللذان كفلتهما المادتان 8، 40 من الدستور، ويهدر كذلك ما للمواطنين من حق في تولى الوظائف العامة على النحو المقرر بالمادة 14 وأساس ذلك، أن النص المطعون فيه اختص أعضاء مجلس الدولة بمعاملة مجحفة قصرها عليهم، وذلك بأن ألزمهم - دون غيرهم من نظرائهم الذين ينهضون بأعباء الوظيفة القضائية - بألا يتزوج أحدهم من أجنبية، مسقطا بذلك - ودون ما غرض مشروع يقتضيه الصالح العام - الحق الطبيعي لكل إنسان في أن يختار لحياته شريكا يسكن إليه في إطار من المودة والرحمة.

وحيث إن الحرية الشخصية أصل يهيمن على الحياة بكل أقطارها، لا قوام لها بدونها، إذ هي محورها وقاعدة بنيانها، ويندرج تحتها بالضرورة تلك الحقوق التي لا تكتمل الحرية الشخصية في غيبتها، ومن بينها الحق في الزواج وما يتفرع عنه من تكوين أسرة وتنشئة أفرادها. وكلاهما من الحقوق الشخصية التي لا تتجاهل القيم الدينية أو الخلقية أو تقوض روابطها. ولا تعمل كذلك بعيدا أو انعزالا عن التقاليد التي تؤمن بها الجماعة التي يعيش الفرد في كنفها، بل تعززها وتزكيها وتتعاظم بقيمتها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها. وإذ كان الزوجان يفضيان لبعضهما البعض بما لا يأتمنان غيرهما عليه، ولا يصيخان سمعا لغير نداءاتهما، ويتكتمان أخص دخائل العلائق الزوجية لتظل مكنوناتها بعيدا عن إطلال الآخرين عليها، وكان امتزاجهما يتم في وحدة يرتضيانها، يتكاملان من خلالها ويتوجان بالوفاء جوهرها، ليظل نبتها متراميا على طريق نمائها وعبر امتداد زمنها، وكانت علاقة الزوجية - بأوصافها تلك - تعد نهجا حميما ونبعا صافيا لأدق مظاهر الحياة وأبلغها أثرا، فإن الزواج يكون - في مضمونه ومرماه - عقيدة لا تنفصم عراها أو تهن صلابتها، وتصل روابطها في خصوصيتها إلى حد تقديسها. ولا يجوز بالتالي التدخل تشريعيا في هذه العلائق للحد من فرص الاختيار التي تنشئها وتقيمها على أساس من الوفاق والمودة، وذلك ما لم تكن القيود التي فرضها المشرع على هذا الاختيار عائدة في بواعثها إلى مصلحة جوهرية لها ما يظاهرها، تسوغ بموجباتها تنظيم الحرية الشخصية بما لا يهدم خصائصها. ذلك أن تقييد الحرية الشخصية لغير مصلحة جوهرية، لا يغتفر. وبوجه خاص إذا أصابها في واحد من أهم ركائزها بأن تعرض دون مقتض لحق من يريد الزواج في اختيار من يطمئن إليه ويقبل طواعية عليه، ليكونا معا شريكين في حياة ممتدة تكون سكنا لهما ويتخذان خلالها أدق قراراتهما وأكثرها ارتباطا بمصائرهما، وبما يصون لحياتهما الشخصية مكامن أسرارها وأنبل غاياتها.

وحيث إنه متى كان ذلك، فإن حق اختيار الزوج لا يمكن أن يكون منفصلا عن خواص الحياة العائلية أو واقعا وراء حدودها، إذ يتصل مباشرة بتكوينها. وهو كذلك من العناصر التي تؤثر في تكامل الشخصية الإنسانية باعتباره مبلورا لإرادة الاختيار فيما هو لصيق بذاتية كل فرد a Private Autonomy of Choice، وكاشفا عن ملامح توجهاته التي يستقل بتشكيلها. ولا يعدو إنكاره أن يكون إخلالا بالقيم التي تقوم عليها الحرية المنظمة Ordered Liberty وهو كذلك يناقض شرط الوسائل القانونية السليمة، وما يتوخاه من صون الحرية الشخصية بما يحول دون تقييدها بوسائل إجرائية أو وفق قواعد موضوعية لا تلتئم وأحكام الدستور التي تمد حمايتها كذلك إلى ما يكون من الحقوق متصلا بالحرية الشخصية، مرتبطا بمكوناتها، توقيا لاقتحام الدائرة التي تظهر فيها الحياة الشخصية في صورتها الأكثر تآلفا وتراحما.

وحيث إن إغفال بعض الوثائق الدستورية النص على الزواج كحق، وما يشتمل عليه بالضرورة من حق اختيار الزوج، لا ينال من ثبوتهما. ولا يفيد أن تلك الوثائق تتجاهل محتواهما أو أنها تطلق يد المشرع في مجال القيود التي يجوز أن يفرضها على مباشرة أيهما. ذلك أن هذين الحقين يقعان داخل مناطق الخصوصية التي كفل صونها دستور جمهورية مصر العربية بنص المادة 45 التي تقرر أن لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون. يؤيد ذلك أن أبعاد العلاقة بين النصوص الدستورية وربطها ببعض، كثيرا ما ترشح لحقوق لا نص عليها، ولكن تشي بثبوتها ما يتصل بها من الحقوق التي كفلها الدستور، والتي تعد مدخلا إليها بوصفها من توابعها أو مفترضاتها أو لوازمها. وكثيرا ما تفضي فروع بعض المسائل التي نظمتها الوثيقة الدستورية، إلى الأصل العام الذي يجمعها، ويعتبر إطارا محددا لها. ولا يكون ذلك إلا من خلال فهم أعمق لمراميها واستصفاء ما وراءها من القيم والمثل العليا التي احتضنها الدستور. فالحق في التعليم - وعلى ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا - يشتمل على حق كل مواطن في أن يختار نوع التعليم الذي يراه أكثر اتفاقا مع ميوله وملكاته، وأن يتلقى قدرا من التعليم يكون مناسبا لمواهبه وقدراته. والحق في بناء أسرة وفق الأسس التي حددها الدستور بنص المادة 9 منه يعني أن يكون للآباء والأوصياء حق اختيار وسائل تنشئة أطفالهم أو من هم في رعايتهم، وألا يحملوا على اختيار نوع من التعليم يكون نمطيا أو دون مداركهم. وما حرية الاجتماع - ولو خلا الدستور من النص عليها - إلا إطار لحرية التعبير يكفل إنماء القيم التي تتوخاها، ويمنحها مغزاها، وبوجه خاص كلما كان الاجتماع مدخلا لحوار بين المنضمين إليه حول المسائل التي تثير اهتمامهم - ولو لم يكن هدفها سياسيا - بل كان نقابيا أو مهنيا أو قانونيا أو اجتماعيا. كذلك فإن حرية التعبير وحرية الصحافة المنصوص عليهما في المادتين 47، 48 من الدستور، لا تعنيان مجرد إبداء الآراء قولا وطباعتها لنشرها، ولكنهما تنطويان على الحق في تلقيها وقراءتها وتحقيقها وتعليمها، وليكون فهمها وإمعان النظر فيها كاشفا عن حقيقتها. ودون ذلك فإن الحماية التي كفلها الدستور لهاتين الحريتين، لن تكتمل سواء في نوعها أو مداها.

وحيث إنه فضلا عما تقدم، فإن ثمة مناطق من الحياة الخاصة لكل فرد تمثل أغوارا لا يجوز النفاذ إليها، وينبغي دوما - ولاعتبار مشروع - ألا يقتحمها أحد ضمانا لسريتها، وصونا لحرمتها، ودفعا لمحاولة التلصص عليها أو اختلاس بعض جوانبها، وبوجه خاص من خلال الوسائل العلمية الحديثة التي بلغ تطورها حدا مذهلا، وكان لتنامي قدراتها على الاختراق أثرا بعيدا على الناس جميعهم حتى في أدق شئونهم، وما يتصل بملامح حياتهم، بل وببياناتهم الشخصية التي غدا الاطلاع عليها وتجميعها نهبا لأعينها ولآذانها. وكثيرا ما لحق النفاذ إليها الحرج أو الضرر بأصحابها. وهذه المناطق من خواص الحياة ودخائلها، تصون مصلحتين قد تبدوان منفصلتين، إلا أنهما تتكاملان، ذلك أنهما تتعلقان بوجه عام بنطاق المسائل الشخصية التي ينبغي كتمانها، وكذلك نطاق استقلال كل فرد ببعض قراراته الهامة التي تكون - بالنظر إلى خصائصها وآثارها - أكثر اتصالا بمصيره وتأثيرا في أوضاع الحياة التي اختار أنماطها. وتبلور هذه المناطق جميعها - التي يلوذ الفرد بها، مطمئنا لحرمتها ليهجع إليها بعيدا عن أشكال الرقابة وأدواتها - الحق في أن تكون للحياة الخاصة تخومها بما يرعى الروابط الحميمة في نطاقها. ولئن كانت بعض الوثائق الدستورية لا تقرر هذا الحق بنص صريح فيها، إلا أن البعض يعتبره من أشمل الحقوق وأوسعها، وهو كذلك أعمقها اتصالا بالقيم التي تدعو إليها الأمم المتحضرة.

ولم يكن غريبا في إطار هذا الفهم - وعلى ضوء تلك الأهمية - أن يستخلص القضاء في بعض الدول ذلك الحق من عدد من النصوص الدستورية التي ترشح مضموناتها لوجوده، وذلك من خلال ربطها ببعض وقوفا على أبعاد العلاقة التي تضمها فالدستور الأمريكي لا يتناول الحق في الخصوصية بنص صريح. ولكن القضاء فسر بعض النصوص التي ينتظمها هذا الدستور بأن لها ظلالا Penumbras لا تخطئها العين، وتنبثق منها مناطق من الحياة الخاصة تعد من فيضها Emanations، وتؤكدها كذلك بعض الحقوق التي كفلها ذلك الدستور، من بينها حق الأفراد في الاجتماع. وحقهم في تأمين أشخاصهم وأوراقهم ودورهم ومتعلقاتهم في مواجهة القبض والتفتيش غير المبرر. وحق المتهمين في ألا يكونوا شهودا على أنفسهم توقيا لإدلائهم بما يدينهم. وكذلك ما نص عليه الدستور الأمريكي من أن التعداد الوارد فيه لحقوق بذواتها، لا يجوز أن يفسر بمعنى استبعاد أو تقليص غيرها من الحقوق التي احتجزها المواطنون لأنفسهم.

وحيث إن دستور جمهورية مصر العربية وإن نص في الفقرة الأولى من المادة 45 على أن لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون، ثم فرع عن هذا الحق - وبنص الفقرة الثانية منها - الحق في صون الرسائل البريدية والبرقية والهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال تقديرا لحرمتها، فلا يصادرها أحد أو ينفذ إليها من خلال الاطلاع عليها إلا بأمر قضائي، يكون مسببا ومحدودا بمدة معينة وفقا لأحكام القانون، إلا أن هذا الدستور لا يعرض البتة للحق في الزواج، ولا للحقوق التي تتفرع عنه كالحق في اختيار الزوج. بيد أن إغفال النص على هذه الحقوق لا يعني إنكارها، ذلك أن الحق في الخصوصية يشملها بالضرورة باعتباره مكملا للحرية الشخصية التي يجب أن يكون نهجها متواصلا Rational Continumm ليوائم مضمونها الآفاق الجديدة التي تفرضها القيم التي أرستها الجماعة وارتضتها ضوابط لحركتها، وذلك انطلاقا من حقيقة أن النصوص الدستورية لا يجوز فهمها على ضوء حقبة جاوزها الزمن، بل يتعين أن يكون نسيجها قابلا للتطور، كافلا ما يفترض فيه من اتساق مع حقائق العصر The Supposed Tune of Times.

وحيث إن الأصل المقرر وفقا لنص المادة 9 من الدستور أن الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وكان على الدولة - بناء على ذلك - أن تعمل على الحفاظ على طابعها الأصيل وما يتمثل فيه من قيم وتقاليد مع تأكيد هذا الطابع وتنميته في العلاقات داخل المجتمع، فإن الأسرة في هذا الإطار تكون هي الوحدة الرئيسية التي يقوم عليها البنيان الاجتماعي، إذ هي التي تغرس في أبنائها أكثر القيم الخلقية والدينية والثقافية سموا وأرفعها شأنا، ولا يعدو الحق في اختيار الزوج أن يكون مدخلها باعتباره طريق تكوينها. وهو كذلك من الحقوق الشخصية الحيوية التي يقوم عليها تطور الجماعة واتصال أجيالها، ومن خلالها يلتمس الإنسان تلك السعادة التي يريد الظفر بها.

وحيث إن الحق في اختيار الزوج يندرج كذلك - في مفهوم الوثائق الدولية - في إطار الحقوق المدنية الأساسية التي لا تمييز فيها بين البشر. وهو يعد عند البعض واقعا في تلك المناطق التي لا يجوز التداخل فيها بالنظر إلى خصوصياتها، إذ ينبغي أن يكون للشئون الشخصية استقلالها، وألا يقل قرار اختيار الزوج في نطاقها أهمية عن ذلك القرار الذي يتخذ الشخص بمقتضاه ولدا إخصابا وإنجابا.

ولئن جاز أن يؤثم المشرع أفعالا بذواتها فيما وراء الحدود الشرعية للعلائق الزوجية كالزنا، وأن يتخذ من التدابير ما يكون كافيا لردعها، فإن ما يقيم هذه العلائق على أساس من الحق والعدل ويصون حرمتها لا يقل ضرورة في مجال حمايتها وتشجيعها.

ولا يجوز بالتالي أن يركن المشرع - ولغير مصلحة جوهرية - إلى سلطته التقديرية ليحدد على ضوئها من يتزوج وبمن، ولا أن يتدخل في أغوار هذه العلائق بعد اكتمال بنيانها بالزواج، ذلك أن السلطة التقديرية التي يملكها المشرع وإن كان قوامها أن يفاضل بين البدائل التي يقدر مناسبتها لتنظيم موضوع معين وفق ما يراه محققا للصالح العام، إلا أن حدها النهائي يتمثل في القيود التي فرضها الدستور عليها بما يحول - وكأصل عام - دون أن يكون المشرع محددا لمن يكون طرفا في العلاقة الزوجية، أو رقيبا على أشكال ممارستها بعد نشوئها، وبوجه خاص فيما يستقلان به من شئونها. ذلك أنه من غير المتصور أن تقع الشئون العائلية في نطاق الحق في الحياة الخاصة، لتنحسر الحماية التي يكفلها هذا الحق عن قرار اختيار الزوج، وهو أداة تأسيس الأسرة والطريق إليها.

ولا ينبغي كذلك أن يكون حق الشخص في أن يتخذ ولدا، منفصلا عن الحق في الدخول في العلاقة الشرعية الوحيدة التي لا يوجد إلا من خلالها.

وحيث إن الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية تؤكد الحق في الحياة الخاصة بنهيها عن التلصص على الناس وتعقبهم في عوراتهم. يقول تعالى "ولا تجسسوا". وهي كذلك تحض على الزواج لمعان اجتماعية ونفسية ودينية باعتباره عقدا يفيد حل العشرة - على وجه التأبيد - بين الرجل والمرأة ويكفل تعاونهما. والنصوص القرآنية تدعو إليه وتصرح به، إذ يقول تعالى "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" ويقول سبحانه "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" ويقول جل علاه "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية".

والزواج فوق هذا مستقر الأنفس وقاعدة أمنها وسكنها، ولا قوام لقوة الأسرة وتراحمها بعيدا عنه إذا التزم طرفاه بإطاره الشرعي، وتراضيا على انعقاده. ذلك أن الزواج شرعا ليس إلا عقدا قوليا يتم ممن هو أهل للتعاقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين في مجلس العقد، وبشرط أن تتحقق العلانية فيه من خلال شاهدين تتوافر لهما الحرية والبلوغ والعقل، يكونان فاهمين لمعنى العبارة ودلالتها على المقصود منها. ومن الفقهاء من يقول بأن للمرأة البالغة العاقلة أن تباشر الزواج لنفسها، ذلك أن الله تعالى أسنده إليها بقوله عز وجل "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره" وقال عليه السلام "الأيم أحق بنفسها من وليها. والبكر تستأذن من نفسها".

وحيث إن المواثيق الدولية تؤيد كذلك حق اختيار الزوج. ومن ذلك ما نصت عليه المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/12/1948 من أن لكل من الرجل والمرأة - إذا كانا بالغين - حق التزوج وتأسيس أسرة دون قيد يقوم على العرق أو الدين أو الجنسية. وتردد حكم المادة 16 من هذا الإعلان، اتفاقية التراضي بالزواج والحد الأدنى لسنه وتسجيل عقوده (7/11/1962) Convention on Consent to Marriage, Minimum Age for Marriage and Registration of Marriages كذلك فإن حق التزوج واختيار الزوج Choice of Spouse مكفولان بنص المادة 5 من الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري (21/12/1965) International Convention on the Elimination of all Forms of Racial Discrimination وتؤكد الفقرة الثانية من المادة 23 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (16/12/1966) International Covenant on Civil and Political Rights حق الرجال والنساء الذين بلغوا سن الزواج في أن يكونوا أزواجا، وأن يقيموا لهم أسرا. وترعى المادة 6 من إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة (7/11/1967) Declaration on the Elimination of Discrimination against Women حقها في اختيار الزوج بملء حريتها وعدم التزوج إلا برضاها التام. وتتمتع المرأة وفقا لنص المادة 16 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (18/12/1979)Convention on the Elimination of all Forms of Discrimination against Women بحق مساو للرجل في اختيار الزوج، وفي ألا يتم الزواج إلا برضاها الكامل.

وتنص المادة 8 من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية والموقع عليها في روما بتاريخ 4/11/1950 من الدول الأعضاء في مجلس أوروباConvention for the Protection of Human Rights and Fundamental Freedoms على حق كل شخص في ضمان الاحترام لحياته الخاصة ولحياته العائلية. ولا يجوز لأي سلطة عامة التدخل في مباشرة هذا الحق إلا وفقا للقانون، وفي الحدود التي يكون فيها هذا التدخل ضروريا في مجتمع ديمقراطي لضمان الأمن القومي أو سلامة الجماهير أو رخاء البلد اقتصاديا، أو لتوقي الجريمة أو انفراط النظام أو لصون الصحة أو القيم الخلقية أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

ويجب أن يقرأ هذا النص متصلا ومترابطا بالمادة 12 من هذه الاتفاقية التي تنص على أن لكل الرجال والنساء عند بلوغهم سن الزواج، الحق فيه، وكذلك في تأسيس أسرة وفقا لأحكام القوانين الوطنية التي تحكم مباشرة هذا الحق، وبمراعاة أمرين أولهما: أن جوهر الحق في الزواج ليس إلا اجتماعا بين رجل وامرأة في إطار علاقة قانونية يلتزمان بها، ولأيهما بالتالي أن يقرر الدخول فيها أو الإعراض عنها. ثانيهما: أن الحقوق المنصوص عليها في المادتين 8، 12 من تلك الاتفاقية - وعملا بمادتها الرابعة عشرة - لا يجوز التمييز في مباشرتها لاعتبار يقوم على الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة أو العقيدة أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو المولد أو الثروة أو الانتماء إلى أقلية عرقية أو بناء على أي مركز آخر.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان البين من القوانين التي نظم بها المشرع أوضاع السلطة القضائية، وآخرها قانونها الصادر بالقرار بقانون رقم 46 لسنة 1972، أن الشروط التي تطلبها لتولي الوظيفة القضائية في نطاق جهة القضاء العادي، لم يكن من بينها يوما قيد يحول دون زواج رجالها بأجنبية، بما مؤداه انتفاء اتصال هذا الشرط بالأداء الأقوم لمسئوليتها باعتباره غريبا عنها، وليس لازما لمباشرة مهامها على أساس من الحيدة والموضوعية.

وحيث إن المشرع أكد هذا المعنى وتبنى هذا الاتجاه، حين اختص المحكمة العليا - الصادر بشأنها القرار بقانون رقم 81 لسنة 1969 - بالرقابة القضائية على دستورية النصوص القانونية جميعها، وكذلك بعد أن حلت محلها المحكمة الدستورية العليا - الصادر بإنشائها القانون رقم 48 لسنة 1979 - لتكون رقيبا على تقيد السلطتين التشريعية والتنفيذية، بالضوابط التي فرضها الدستور في مجال إقرار النصوص القانونية أو إصدارها. فقد أطلق المشرع - بهذين القانونين - حق أعضاء هاتين المحكمتين في اختيار الزوج، التزاما بأبعاد الحرية الشخصية، وصونا لحرمة الحياة الخاصة اللتان كفلهما الدستور بنص المادتين 41، 45. وكذلك حين جرم كل اعتداء عليهما بنص المادة 57. ولم يجز فوق هذا إسقاط المسئولية الجنائية أو المدنية الناشئة عن هذا العدوان بالتقادم. بل إن عدم إدراج حكم مماثل للنص المطعون فيه في قانون المحكمة الدستورية العليا التي تعلو هامتها فوق كل جهة من خلال ضمانها سيادة الدستور، وتوليها دون غيرها فرض القيود التي يتضمنها في إطار الخصومة القضائية، وارتقاء رقابتها على الشرعية الدستورية إلى أكثر أشكال الرقابة القضائية مضاء وأبعدها أثرا وأرفعها شأنا، يعني أن تقرير هذا الحكم لا يتصل بجوهر وظيفتها القضائية، وأن اقتضاءه منفصل عن الشروط الموضوعية لأوضاع ممارستها.

وحيث إنه لا ينال مما تقدم ما تنص عليه المادة 167 من الدستور من أن يحدد القانون الهيئات القضائية واختصاصاتها وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط تعيين أعضائها ونقلهم، ذلك أن هذا التفويض لا يخول السلطة التشريعية أن تقرر في مجال تولي الوظيفة القضائية من الشروط ما يكون دخيلا عليها، مقحما على الضوابط المنطقية لممارستها، منفصلا عما يكون لازما لإدارتها، نائبا عما يتصل بصون هيبتها أو يكون كافلا لرسالتها. بل يجب أن تكون القيود التي يفرضها المشرع على تولي الوظيفة القضائية عائدة في منتهاها إلى أسس موضوعية تقتضيها مصلحة جوهرية. وهو ما قام النص المطعون فيه على نقيضه. ذلك أن المشرع وإن جاز أن يفرض في شأن الزواج شروطا إجرائية لضمان توثيقه بصورة رسمية ولإشهاره قطعا لكل نزاع، بل وأن يقيده بضوابط موضوعية كتلك التي تتعلق بأهلية المتعاقدين ودرجة القرابة المحرمية، إلا أن التنظيم التشريعي للحق فيه، بما ينال من جوهره ممتنع دستوريا.

وحيث إن تبرير النص المطعون فيه بمقولة أنه يتناول أعضاء بهيئة قضائية يطلعون بحكم وظائفهم على عديد من أسرار الدولة ويفصلون فيما هو هام من منازعاتها، ويحسمون مصير قراراتها، وأن المشرع صونا منه لهذه المصالح قدر ألا يلي أعباء تلك الوظيفة القضائية إلا هؤلاء الذين ينتمون إلى الوطن انتماء مجردا، متحررين من شبهة التأثير الخارجي عليهم، وهو ما يقع إذا تزوج أحدهم بأجنبية، مردود بأن المحكمة الدستورية العليا - التي خلا قانونها من هذا الشرط - تباشر رقابتها القضائية على الشرعية الدستورية ذاتها، وهي أبلغ خطرا وأكثر اتصالا بالمصالح القومية الحيوية، بل أنها تستخلص من النصوص الدستورية تلك القيم التي ارتضتها الجماعة لتؤسس عليها ركائز بنيانها وتعبد الطريق لتقدمها. كذلك فإن فهمها لأحكام الدستور ومناهجها في التأصيل والتفريع هي أدواتها إلى إبطال النصوص التشريعية بما يجردها من قوة نفاذها. وأحكامها هي التي ترد المواطنين جميعهم وكذلك السلطات العامة - على تعدد أفرعها وتباين تنظيماتها - إلى كلمة سواء يكون الدستور من خلالها مهيمنا على الحياة بكل صورها.

وحيث إن الدساتير المصرية جميعها بدءا بدستور 1923 وانتهاء بالدستور القائم، رددت جميعها مبدأ المساواة أمام القانون، وكفلت تطبيقه على المواطنين كافة باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي، وعلى تقدير أن الغاية التي يستهدفها تتمثل أصلا في صون حقوق المواطنين وحرياتهم في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها.

وأضحى هذا المبدأ - في جوهره - وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التي لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور، بل يمتد مجال إعمالها كذلك إلى تلك التي كفلها المشرع للمواطنين في حدود سلطته التقديرية، وعلى ضوء ما يرتئيه محققا للصالح العام.

ولئن نص الدستور في المادة 40 منه على حظر التمييز بين المواطنين في أحوال بينتها، هي تلك التي يقوم التمييز فيها على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظورا فيها، مرده أنها الأكثر شيوعا في الحياة العملية. ولا يدل البتة على انحصاره فيها. إذ لو صح ذلك لكان التمييز بين المواطنين فيما عداها جائزا دستوريا، وهو ما يناقض المساواة التي كفلها الدستور، ويحول دون إرساء أسسها وبلوغ غاياتها. وآية ذلك أن من صور التمييز التي أغفلتها المادة 40 من الدستور ما لا تقل عن غيرها خطرا سواء من ناحية محتواها أو من جهة الآثار التي ترتبها، كالتمييز بين المواطنين في نطاق الحقوق التي يتمتعون بها أو الحريات التي يمارسونها لاعتبار مرده إلى مولدهم، أو مركزهم الاجتماعي أو انتمائهم الطبقي أو ميولهم الحزبية أو نزعاتهم العرقية أو عصبيتهم القبلية أو إلى موقفهم من السلطة العامة، أو إعراضهم عن تنظيماتها، أو تبنيهم لأعمال بذاتها، وغير ذلك من أشكال التمييز التي لا تظاهرها أسس موضوعية تقيمها، وكان من المقرر أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور أو القانون. وذلك سواء بإنكار أصل وجودها أو تعطيل أو انتقاص آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانونا للانتفاع بها، وبوجه خاص على صعيد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغير ذلك من مظاهر الحياة العامة.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان النص المطعون فيه قد اختص أعضاء مجلس الدولة بشرط أورده هذا النص لغير مصلحة جوهرية، ومايز بذلك بينهم وبين غيرهم ممن ينهضون بأعباء الوظيفة القضائية ويتحملون بتبعاتها رغم تماثلهم جميعا في مراكزهم القانونية، فإن النص المطعون فيه يكون مفتقرا إلى الأسس الموضوعية التي ينبغي أن يقوم عليها، ومتبنيا بالتالي تمييزا تحكميا منهيا عنه بنص المادة 40 من الدستور.

وحيث إن النص المطعون فيه يقيد كذلك حق العمل - وما تفرع عنه من الحق في تولي الوظائف العامة - المكفولين بالمادتين 13، 14 من الدستور، ذلك إن إعمال هذا النص يستلزم إنهاء خدمة المعينين بمجلس الدولة على خلاف أحكامه، ويحول دون تعيين أعضاء جدد فيه لمجرد اختيارهم الزواج من أجنبية.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفا لأحكام المواد 9، 12، 13 و14، 40، 41، 45 من الدستور، وهو ما يتعين الحكم به.

وحيث إن المشرع بعد أن قضى بألا يعين عضوا بمجلس الدولة من يكون متزوجا بأجنبية، أورد استثنائين من هذه القاعدة يخول أولهما رئيس الجمهورية أن يأذن بإعفاء من يريد الزواج بعربية من حكمها، وينص ثانيهما - وقد ورد بالمادة 6 من قانون إصدار قانون مجلس الدولة - على إعفاء أعضاء مجلس الدولة المتزوجين من أجنبيات عند العمل بالقانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة من الخضوع للحظر المقرر بالنص المطعون فيه، متى كان ذلك وكان هدم القاعدة التي تضمنها هذا النص وإبطال العمل بها، يعني أن الاستثناء منها قد صار واردا على غير محل، باعتبار أن الاستثناء من قاعدة قانونية يفترض دوما بقاءها، فإن إبطال النص المطعون فيه تبعا للحكم بعدم دستوريته، يستتبع زوال هذين الاستثناءين معا وسقوطهما.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية البند السادس من المادة 73 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، وذلك فيما نص عليه من ألا يعين عضو بمجلس الدولة يكون متزوجا بأجنبية، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

 

العودة للصفحة الرئيسية